فخر الدين الرازي

270

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

اعلم أنه سبحانه وتعالى ذكر أن فيها عبرة مجملا ثم أردفه بالتفصيل من أربعة أوجه : أحدها : قوله : نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها والمراد منه جميع وجوه الانتفاع بألبانها ، ووجه الاعتبار فيه أنها تجتمع في الضروع وتتخلص من بين الفرث والدم بإذن اللَّه تعالى ، فتستحيل إلى طهارة وإلى لون وطعم موافق للشهوة وتصير غذاء ، فمن استدل بذلك على قدرة اللَّه وحكمته . كان ذلك معدودا في النعم الدينية ومن انتفع به فهو في نعمة الدنيا ، وأيضا فهذه الألبان التي تخرج من بطونها إلى ضروعها تجدها شرابا طيبا ، وإذا ذبحتها لم تجد لها أثرا ، وذلك يدل على عظيم قدرة اللَّه تعالى . قال صاحب « الكشاف » وقرئ تسقيكم بتاء مفتوحة ، أي تسقيكم الأنعام وثانيها : قوله : وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وذلك بيعها والانتفاع بأثمانها وما يجري مجرى ذلك وثالثها : قوله : وَمِنْها تَأْكُلُونَ يعني كما تنتفعون بها وهي حية تنتفعون بها بعد الذبح أيضا بالأكل ورابعها : قوله : وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ لأن وجه الانتفاع بالإبل في المحمولات على البر بمنزلة الانتفاع بالفلك في البحر ، ولذلك جمع بين الوجهين في إنعامه لكي يشكر على ذلك ويستدل به ، [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 23 إلى 25 ] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَ فَلا تَتَّقُونَ ( 23 ) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ ( 24 ) إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ ( 25 ) واعلم أنه سبحانه وتعالى لما بين دلائل التوحيد أردفها بالقصص كما هو العادة في سائر السور وهي هاهنا . القصة الأولى قصة نوح عليه السلام قال قوم : إن نوحا كان اسمه يشكر ، ثم سمي نوحا لوجوه : أحدها : لكثرة ما ناح على نفسه حين دعا على قومه بالهلاك ، فأهلكهم بالطوفان فندم على ذلك وثانيها : لمراجعة ربه في شأن ابنه وثالثها : أنه مر بكلب مجذوم ، فقال له إخسا يا قبيح ، فعوتب على ذلك ، فقال اللَّه له : أعبتني إذ خلقته ، أم عبت الكلب . وهذه الوجوه مشكلة لما ثبت أن الأعلام لا تفيد صفة في المسمى . أما قوله : اعْبُدُوا اللَّهَ فالمعنى أنه سبحانه أرسله بالدعاء إلى عبادة اللَّه تعالى وحده ، ولا يجوز أن يدعوهم إلى ذلك إلا وقد دعاهم إلى معرفته أولا ، لأن عبادة من لا يكون معلوما غير جائزة وإنما يجوز ويجب بعد المعرفة . أما قوله : ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ فالمراد أن عبادة غير اللَّه لا تجوز إذ لا إله سواه . ومن حق العبادة أن تحسن لمن أنعم بالخلق والإحياء وما بعدهما ، فإذا لم يصح ذلك إلا منه تعالى فكيف يعبد ما لا يضر ولا ينفع ؟ وقرئ غيره بالرفع على المحل وبالجر على اللفظ ، ثم إنه لما لم ينفع فيهم هذا الدعاء واستمروا على عبادة غير اللَّه تعالى حذرهم بقوله : أَ فَلا تَتَّقُونَ لأن ذلك زجر ووعيد باتقاء العقوبة لينصرفوا عما هم عليه . ثم إنه سبحانه حكى عنهم شبههم في إنكار نبوة نوح عليه السلام .